شؤون عربية

العرب واستقلالية القرار وسياسة المحاور

الدكتور اياد المجالي

باحث في العلاقات الدولية والشؤون الايرانية/ جامعة مؤتة – الاردن

     لا شك ان  ازمات الامة العربية  العميقة والمتراكمة ومعاناتها ا لمتزايدة مؤشرات واقعية لحالة من الانحدار في منعطف تاريخي خطير، لا يهدد فقط استقرار وسلامة الكيانات القطرية القائمة، بل وسلامة الإنسان العربي وممتلكاته وثرواته وأرضه وهويته ومشروعه النهضوي، وهذا يتضح جليا من خلال المتغيرات المتسارعة اقليميا ودوليا حول وقائع واحداث تؤكد ان العرب باتجاه  كارثة تاريخية لم تحصل حتى في أسوء حالات الانحطاط التي مرت بها الأمة بعد اجتياح التتار وسقوط دولتهم في بغداد، ولا أعتقد أنّ هناك أمَّةً في العالم تشهد من الصراعات والتحدّيات كما هو عليه حال الأمّة العربية الآن، فهذه الأمَّة تشهد على مدار قرنٍ من الزمن مزيجاً من الأزمات التي بعضها هو محصّلة للتدخّل الخارجي والأطماع الأجنبية، وبعضها الآخر هو نتيجة إفراز لأوضاع داخلية يسودها  حالة من التفكك بين مصالح الشعوب وبين رغبات وقرارات وظيفية تخدم السلطات ومشاريعها الضيقة.

في قراءة تسلط الضوء على اهم مرتكزات استقلال القرار السياسي الذي بات التحدي الابرز امام الامة في معالجة الازمات الخانقة لشعوبها والقائمة على مخالفة اهم شروط النهضة التي تؤدي الى الاستقلال في صنع القرار, ذلك المرتبط بعمق بمفهوم الدولة القطرية الذي تاهت وتشابكت مضامينها بعيدا عن حقيقة الدور والمسؤولية , التي ابتعدت في مساراتها السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية عن العمل بشكل حقيقي على بناء الانسان ونهضة الاوطان و تعزيز مشاريع التنمية, فبدلاً من ترسيخ مفهوم دولة الانسان الذي يشكل محور سياسات الدولة القطرية واستراتيجياتها وتوجهاتها, بات الانسان العربي خادما للدولة مفتقداً ومهمشاً لدورة في البناء الحقيقي وصنع الحضارة, فكان اسقاط هذا الشرط  من شروط استقلال القرار بداية الانحدار, في حين لا يقل هذا الواقع عن اسقاط  شرط الهوية الوطنية لشعوب الامة كمرتكز اساسي للنهضة العربية, تأمل وتحليل هذا المرتكز يؤكد بانه مسوغ موضوعي لنجاح أي مشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي , فالهوية الوطنية تحقق الصمود للامة والانجاز , ويحصنها من الهويات الدخيلة والمشاريع الامبريالية ويعزز من قوة المجتمعات العربية ويمكنها من الاستقلال في صنع قرارها وتنفيذ سياسيات تنموية نهضوية يحترمها كافة الاطراف في البيئة الاقليمية والدولية, لذلك يفسر حالة الارتهان والذبذبة في بناء الدول القطرية على مستوى الامة كنتيجة حتمية لتأثيرات خارجية تسعى لتحقيق مصالحها بعد تفكيك الهوية الجامعة للامة.

وبما ان حاجة الامة الى استقلال القرار بات ملحاً في مواجهة هذا الانحدار, اذ لابد من اضافة شرط اخر من شروط تحقيقها بالتوازي مع تحديد مفهوم الدولة وتعزيز الهوية الوطنية , ممثلا بتحديد البوصلة او المسار او التوجه للامة بكافة كياناتها السياسية القطرية , فهذا الشرط من ابرز مقومات النهضة واستقلال القرار السياسي, الذي يفسر الحاجة الى  العمل والتحرك العربي المشترك وفق متطلبات وحاجات الجماهير العربية , بما يحقق مصالحها واهدافها, بعيدا عن بوصلة الاطراف الخارجية, ما يثير التساؤلات امام هذا المعيار في امكانية تحقيق استقلال القرار وتحقيق مشروع الامة العربية, فالواقع يشير الى ان البوصلة العربية تذبذب في العديد من المسارات والاتجاهات ادى الى خروج الدولة القومية في اغلب الوطن العربي عن اطار الدولة الوطنية الى الدولة الوظيفية التي تعمل وفق بوصلة غير وطنية لخدمة اطراف خارجية, وانتفت عنها صفة الدولة المستقلة بقرارها وابتعد عن مسؤولية الدور النهضوي لشعبها, هذا وتعمقت ازمات الامة بعد ان فقدت الرؤية التي تحدد مسارها القومي والوطني جعلها تعيش في حالة الرهان والارتهان, بمعنى ان الرهان على حسابات الاخر والارتهان لحسابات الاخر , وبالتالي فقدت الامة اداة اساسية في استقلال قرارها وانتقلت الى حالة التفكك والزعزعة وعدم الاستقرار من الداخل نتيجة تأثير الاطراف الخارجية اقليميا ودوليا.

في العديد من اقطار الوطن العربي مؤشرات حقيقية لاستبداد سياسي وتمييز الاجتماعي وفشل الاقتصادي وفساد، وأزمة قيم يعيشها المواطن العربي، إضافةً إلى حالة متجذرة من الجمود الفكري في كيفيّة فهم الدين وعلاقته بالمجتمع، وانتعاش الروح المذهبية وتردى الروح الوطنية، وتأخر عن ركب الحضارة الإنسانية، حقيقة سبق عاشت الامة ظروف مشابهة لكنها لم تكن بهذه القسوة لا بل استمرت بالمحافظة على وحدة اقطارها رغم عنف تلك المراحل وقسوتها، ولكن الوضع العربي الحالي نراه يمثل حالة انقسام وتنافر ويسير نحو تجزئة الأقطار والمجتمعات من خلال صراعات وحروب وفتن داخلية وخارجية، وما ينتج عنه من تمزيق للدول والمجتمعات، مما يرتب علينا جميعًا التفكير والعمل لتغيير الواقع ومعطياته ومحاولة الحيلولة دون حصول نتائجه الكارثية على الأمة وشعوبها.

إن الكارثة التي يمكن توصيفها بهذا الجانب تشمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عالمنا العربي فهي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ومعطيات النظام العالمي وادواته تدفع بالأنظمة السياسية ان تتجه نحو الرهان والارتهان  للأجندة الأمريكية في المنطقة والانخراط  في مشاريعها المهيمنة و الرامية  إلى تدمير وتمزيق وتقسيم الوطن العربي وإضعاف الشعوب ودورها في النهضة والتقدم والمحافظة على إرثها الثقافي العربي الإسلامي، ولعل ما يجري من تحضير وتشاور لتنفيذ مشروع ما يسمى بصفقة القرن وتجهيز تحالف دولي جديد، بتمويل ودعم من بعض الدول  القطرية العربية لصراع مع إيران، لدليل واضح على حالة الوهن في الجسد العربي والإسلامي والسقوط في اختبار تحديد أولويات الدول والشعوب العربية، وتكريسًا للتبعية وغياب شروط الاستقلال في القرار وانتفاء اهمية مصالح شعوب والأمة امام استراتيجيات القوى الخارجية في المنطقة، في الوقت الذي تعمل فيه بعض الدول الإقليمية على تحقيق مشاريعها القومية التوسعية  الخاصة ومنها تركيا، حيث تسعى تركيا اليوم من خلال تخطيط وتنفيذ وعمل مستمر بالرغم من تقاطع وتعارض المصالح مع دول إقليمية ودولية، لتعيد للعالم قوة ونفوذ الامبراطورية العثمانية في الدول القومية العربية، والحال كذلك في إيران والتي تسعى لعودة أمجاد فارس والإمبراطورية الفارسية القديمة بحلة ومواصفات جديدة تعتمد في ذلك على إرث التاريخ الفارسي لبناء قوة لحماية دولتها وامتداد مشروعها السياسي نفوذها إلى المنطقة والعالم.

رغم أن الصراع العربي الصهيوني في المنطقة وتحدياته وأثاره على الدول العربية والطموحات الصهيونية التوسعية غير المشروعة يمثل الأولوية في عقيدة الشعوب العربية والإسلامية بسبب المكانة التي تتمتع بها فلسطين: الأرض والمقدسات والتاريخ في الوجدان العربي الإسلامي،  هذا دفع بإسقاط كل شروط تحقيق استقلال القرار السياسي العربي, حتى يكون عائقا امام أي حل لقضية الامة  المركزية والمحافظة على المقدسات الإسلامية فيها وتقرير مصير هذا الشعب الصابر والصامد بشكل عادل كأولوية بين القضايا الإقليمية، فالمشكلة مع إسرائيل تمس كرامة وعقيدة الإنسان العربي المسلم وتمثل التهديد الحقيقي للأمة، ولكن بالرغم من الدعم الغربي لهذا الكيان الغاصب، يمكن معالجة هذا الوجود الطارئ عندما تتوفر شروط استقلال القرار الموازي للنهضة بالمعنى الدقيق وتتوفر الإرادة والعمل والوحدة والتوافق في تحديد الأهداف الوطنية وفق بوصلة محددة، فالمشكلة المترتبة على وجود كيان صهيوني غير شرعي في المنطقة بالرغم من كونها حديثة إلا أنها تمثل أولوية الأمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق